تحفظ الجمال تمرين كل يوم عن ظهر قلب ... بعد الفجر مباشرة تتوجه في طوابير،
كل طابور منها يتكون من 12 حيواناً عادة، لتدخل الحظائر المعدنية لغرض الحلب. هناك يقوم العمال بتثبيت مضخات الحلب الأوتوماتيكية، ثم يتدفق الحليب صوب منظومة من الأنابيب المبردة التي تصب في وعاء معدني محكم الإغلاق.
المحطة التالية يمكن أن تكون ذات يوم أسواق أوروبا، وربما أبعد من ذلك، في إطار الخطط الطموحة المدعومة من حاكم دبي لتوسيع نطاق العلامة التجارية (كامليشيوس).
في شهر تموز الماضي أجاز المشرفون على الصحة في الاتحاد الأوروبي دولة الإمارات العربية المتحدة كمصدر رئيس لأول منتجات من حليب الإبل تدخل دول الاتحاد البالغة 27 دولة. وإذا ما تم اجتياز الفحوص الموقعية وغيرها من اختبارات الاتحاد الأوروبي بنجاح فإن الدفعات الأولى من مسحوق حليب الإبل المجفف يمكن ان تحتل مكانها على الرفوف الاوروبية في العام المقبل، وربما تصل حتى إلى آسيا وأميركا في مرحلة لاحقة.
يقول ديفيد ويرنري، المستشار القانوني للعلامة التجارية كامليشيوس، التي تحمل شركتها الأم اسماً أكثر رصانة هو الشركة الإماراتية لصناعات حليب الإبل ومنتجاته: “نحن نعلم أن هذا ليس منتجاً مألوفاً في الغرب، ولكننا نفكر في مخازن الأغذية الصحية والأسواق البديلة. وربما سيكون الأمر على نطاق ضيق في البداية.”
الأمر سيكون أشبه بطليعة موجهة إلى طائفة صغيرة محدودة شغوفة بحليب الإبل وتتحدث عنه بنغمة الإعجاب. فحليب الإبل يحتوي على ما لا يقل عن ثلاثة أضعاف ما يحتويه حليب البقر من فيتامين (سي)، وهو بديل صالح لمن يعانون من مضايقات سكر اللاكتوز. وقد درس الباحثون الدور الممكن لحليب الإبل في مكافحة البكتيريا والأورام وداء السكري، فضلا عن الاستخدامات التقليدية مثل علاج أمراض الكبد عبر بلدان آسيا الوسطى وشمال افريقيا.
والد ويرنري طبيب بيطري اسمه أولريج، وكان هو من قدم دراسة عن حليب الإبل إلى الشيخ آل مكتوم قبل عقد من الزمن.
يقول الطبيب العجوز الذي شغف بالجمال منذ كان يعمل في الصومال في سبعينيات القرن المنصرم: “قلت له أنتم تسابقون الجمال، فلماذا لا تحلبونها؟”
لم يصدر عن الشيخ رد سريع، لذلك عكف ويرنري على إنشاء مصنع تجريبي مصغر لإنتاج الحليب في عام 2000، مبتدءاً بحوالي اثنتي عشرة ناقة خارج عيادة أبحاثه ومركز الرعاية الصحية للحيوان في دبي. وبعد ثلاث سنوات من ذلك اتصل الشيخ آل مكتوم مبدياً استعداده لتمويل مشروع الألبان.
في ذلك الوقت كان النمو في دبي يبتلع الصحراء في وثبات كبيرة، والشيخ محمد ولوع دائما بالمشاريع الجريئة، لذلك جاء المشروع مناسبا لتطلعاته باعتباره الأول في المنطقة.
بعد ذلك ابتدع ديفيد ويرنري ووالدته الاسم كامليشيوس الذي يجمع بين كلمتي “جمل” و “لذيذ” بالإنكليزية لأنهما شعرا بالقلق من أن يبدي بعض الزبائن رفضاً لحليب الإبل.
وبدأت الشركة أعمالها في عام 2006 وامتلأت الرفوف بالألبان التي تحمل شعارها وهو يتضمن صورة كارتونية لجمل يضع نظارة شمسية بنفسجية اللون على عينيه. وتمت اضافة نكهات جديدة كالشوكولاته والزعفران والتمر والفراولة. أما الشعار الرسمي للمؤسسة فهو عبارة عن صورة لجمل تحت ضوء قمر فضي، وهناك منتجات ألبان مختلفة بضمنها حليب الإبل بنكهة الشوكولاتة، وشراب اللبن التقليدي.
يقول ويرنري: “ما زلنا نقوم باستطلاعات عن السوق في أوروبا، والواقع أننا نحب شعار الجمل الكرتوني، ولكننا نتساءل إن كانت هذ هي الصورة المناسبة للمنتجات الغذائية الصحية”. ثم أن هنالك مشكلة الطعم، فالحليب الناتج من الإبل التي تتناول أعشاب الصحراء يتميز بطعم مالح قليلا. ولكن قطيع شركة كامليشيوس يحصل على علائق من التبن والعلف المعامل بالجزر والتمر، وهي أعلاف تؤثر جميعها في تخفيف طعمه المعتاد وتقربه أكثر من الأذواق الغربية.
يصف ويرنري الجمال بأنها حيوانات تأكل أي شيء، وهي هادئة الطبع جدا، وشديدة الذكاء، على عكس ما يتصورها الناس .. حيث يعتقد كثيرون بأن الجمال حيوانات غبية ثقيلة الحركة ومشهورة بوصف سفينة الصحراء.
يرى والد ويرنري، وهو شخصية موسوعية في كل ما يتعلق بالجمال بعد عقود من الأبحاث والمتابعة، أن مجتمع الجمال يتصف بالكبرياء الهادئ والنظام المنضبط، على الأقل بالنسبة للإناث. يقول ويرنري وهو يراقب عدداً من النوق تسير متهادية صوب قاعة المحلب، انها حيوانات لا تحب الحركات المفاجئة أو الأصوات العالية.
والجمال هي التي تختار زعيمها، وتتبع دائما الجمل الأبرز عند توجهها نحو حظائر الحلب. كذلك فإنها تسير في طابور دائما وتحافظ على نفس الترتيب فيما بينها.
متوسط ما تنتجه الناقة العادية هو 10 لترات من الحليب يوميا، وهذا يقل عن معدل إنتاج الأبقار في حظائر الألبان الغربية الكبرى التي يمكن أن تقدم حوالي 19 لترا يوميا. أما الجمال المستوردة من السعودية والسودان فعادة ما تكون أعلى قدرة على إنتاج الحليب. فجمال الخليج تمت تربيتها على مر العصور لغايات السرعة والسباق لا لأجل إنتاج الحليب. ومجموع ما تنتجه الجمال في شركة كامليشيوس يصل إلى خمسة آلاف لتر من الحليب في اليوم، حيث تضم حقول الشركة عند اطراف مدينة دبي 700 جمل.
قسم من هذا الحليب تتم تعبئته في زجاجات تمهيداً لتسويقه إلى الأسواق المحلية، وهناك كميات أصغر يتم تجفيفها على شكل مسحوق تستخدم في إنتاج الشوكولاته، وبنفس الكيفية تخطط شركة كامليشيوس لشحن الحليب المجفف إلى السوق الأوروبية.
يتابع ويرنري أن لديهم أفكاراً قد تنزل إلى حيز التنفيذ ذات يوم بإنشاء مصنع لألبان الإبل في أوروبا، كأن يكون في جنوب اسبانيا. ولكن هذه الأفكار لا تزال بعيدة، إذ أن التركيز منصب الآن على التخطيط للحصول على موطئ قدم في سوق التصدير. كذلك فإن الأمر يتطلب مزيدا من الإبل، كما يقول ويرنري.
مشترو الجمال لصالح مشروع الألبان يدورون في أسواق الإبل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهم يحاولون البقاء بعيداً عن الاضواء، لأنهم سيكون من الصعب عليهم الحصول على أسعار مناسبة إذا ما علم أنهم يعملون بدعم من الشيخ في دبي.
والمشروع يحظى بمؤيدين له في أميركا. ففي ولاية كارولينا الشمالية تكرس ميلي هينكل، وهي ممارسة في الطب الطبيعي، جزءاً من وقتها للدفاع بشكل مخصوص عن صناعة ألبان الإبل. وكانت آخر خطوة أقدمت عليها من أجل إنتاج هذا الحليب في الولايات المتحدة الأميركية أن سعت للحصول على موافقة فدرالية على التجهيزات والعدد التي يتطلبها إجراء الفحوص على الإبل للتأكد من سلامتها من الأمراض، مثل السل.
وتقدر هينكل وجود أكثر من اثني عشر مصنعاً صغيراً لمنتجات ألبان الجمال في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الإهتمام الذي تبديه بعض المزارع التقليدية. وهي تعلم جيدا أن حليب النوق أبعد من بعيد عن تفكير المستهلك الأميركي. ولكن فاكهة الكيوي هي الأخرى كانت بعيدة ذات يوم