الأهالي: أصبحنا سجناء منازلنا لا نستطيع فتح الابواب والنوافذ ومن لا يصدق فليأتي ويرى رئيس البلدية: أحضرنا مبيدات حشرية ضبابية وتم رش البلدة ثلاث مرات دون فائدة
هجرهم النوم، وعافت أنفسهم الطعام والشراب، أطفالهم أصيبوا بأعراض غريبة (إقياء وإسهال وتسمم)، محاصيلهم تسممت من كثرة المبيدات الحشرية وحيواناتهم أصيبت (بدود الشرج) حتى مات العديد منها
هذه هي حال سكان قريتي (الغزلانية والبيطارية) في ريف دمشق بعد أن هجمت عليهم أسراب الذباب وشاركتهم المسكن والمأكل، ووضعتهم أمام خيارين فإما الرحيل بهجر منازلهم او دفع النقود القليلة التي يملكونها ثمناً لشراء المبيدات الحشرية والسموم ودون جدوى تذكر.
ذباب وأطفال وفقر
( أبو حسن) أب لثلاثة أطفال يقطن مع عائلته في منزل صغير وفقير تعرض لهجمات الذباب الذين رافقوا أطفاله في مأكلهم ومشربهم ولعبهم و نومهم، سيريانيوز زارت منزل أبو حسن في بلدة الغزلانية، حيث قال" منذ شهر تقريباً بدأ الذباب يهجم إلى قريتنا وقرية البيطارية التي أعمل بها بطريقة تدريجية، حتى أصبحت أسراب الذباب كالغيوم".
وأردف "في البداية بدأ الناس يفسرون هذه الأعداد الهائلة من الذباب على أنها قادمة من العراق لوجود الكثير من الجثث، إلا أنه تبين لنا بعد التحريات التي قامت بها
بلدية البيطارية، أن مصدر الذباب بقعة سوداء ملوثة وكبيرة جداً في مساحة خالية بين القريتين تبين عند زيارتنا لها أنها مخلفات من الدجاج يقوم أحد المصانع برميها ".
وعن حال بيته وأطفاله، قال أبو حسن " خصصت مقدار مئة ليرة يومية سعراً للمبيدات الحشرية التي أثبتت فشلها لكنها الحيلة الوحيدة لأننا لا نستطيع النوم ولا
مكب الغزلانية القريب
الأكل، وهذه المرة الأولى التي يكون بها الذباب في القرية بهذا الكم، فعدا عن وجود مكب النفايات القريب، أتت البقعة الملوثة لتزيد الطين بلة".
مبيدات الحشرات التي اشتراها أبو حسن خذلته وأثبتت فشلها إلا أنها لم تكن الوحيدة فصاحب المعمل الذي يقطن به أبو حسن مع عائلته ليعمل كناطور ليلي، لم يقدم لهذه الأسرة الفقيرة أية مساعدة رغم الحال السيئ الذي يراه بأم عينه يومياً، إضافةً إلى بلدية الغزلانية التي لم تحرك ساكناً بحجة أن " منطقة التلوث غير تابعة لها" (حسب أقوال أهل القرية)، ما أدى نهايةً إلى إصابة أطفاله بالتسمم. .
تسمم ولشمانيا ونوع غريب من الذباب
الحال لم يكن بالأفضل في قرية البيطار التي "عانت الأمرين في شهر واحد" لأنها الأقرب إلى بقعة التلوث، سيريانيوز زارت القرية، وتحدثت الى سكانها واستمعت الى معاناتهم، حيث قال محمد حسين إن "اربعة أشخاص من أسرتي أصيبوا بالتسمم وزوجتي ظهرت عليها أعراض اللشمانيا، وكل ذلك خلال أقل من شهر نتيجة هجوم أسراب الذباب إلى القرية في سابقة هي الأولى من نوعها".
وأردف حسين " هناك بقعة ملوثة ببقايا الدجاج المتفسخ على بعد 2 كيلو متر من القرية ، قام أحد المعامل بإرسال سائق لديه ليرمي المخلفات فيها وتجميعها منذ حوالي الشهر، ما أدى إلى ظهور نوع غريب من الذباب وصل إلى قريتنا وسبب لنا الكثير من المشاكل، حتى أحرجنا أمام ضيوفنا لأننا غير قادرين على تقديم الطعام أو الضيافة لهم خوفاً من تكاثف الذباب أمامهم".
وأضاف" هناك إهمال كبير لقريتنا فهي بعيدة عن مركز المدينة ولا تنعم بأي نوع من الاهتمام، فقد قمنا بمخاطبة البلدية بداية شهر تموز التي قامت بدورها برفع كتاب إلى المحافظة في ذات اليوم دون أي تحرك من الجهات المسؤولة".
وناشد محمد حسين "كل من يهمه الأمر ليأتي ويطلع بأم عينه أن الوضع لا يطاق فقد بتنا سجناء منازلنا غير قادرين على فتح النوافذ أو الأبواب".
ذباب يلسع وينتج عصارة مقرفة
بدوره وصف (أحمد) غرابة ما يجري بالقول إن " نوع الذباب الذي وصل القرية كأنه معدل وراثياُ، فهذه المرة الأولى التي أرى فيها ذبابة تلسع وتنتج حبوباً مع حكة، عدا عن تمسكها بجلد الشخص وكأنها تملك مخالباً فلا يمكن إبعادها عن أجسادنا، وإن فكرنا بقتلها تنتج عصارة مقرفة ورائحة نتنة".
وأردف أحمد " نقوم برش المنزل بالمبيدات الحشرية يومياً ، ونجمع الذباب الميت بأكياس ودلاء نقوم بتفريغها صباحاً ومساءً لكثرتها". مضيفاً إن " سوء الحال وعدم القدرة على النوم دفعني إلى هجرة بيتي إلى بيت أقربائي".
"هجوم الذباب" لم يطال البشر وطعامهم فقط، بل وصل إلى الحيوانات والمزروعات، حتى قتل بعضها وأعيى البعض الآخر، وقال محمد جمعة الخطيب (من سكان قرية البيطارية) إن "الذباب تسبب بوفاة بقرتين وعجل إضافةً إلى إعياء باقي البقرات، فعندما قامت إحدى البقرات بالولادة هجم الذباب عليها ودخل شرجها وتكاثف بشكل مخيف على العجل المولود ما أدى إلى وفاة الاثنين معاً، عدا عن إصابة بعض البقرات (بديدان الشرج) نتيجة دخول الذباب إليها" مضيفا إنً" باقي البقرات مهددات بالعمى أو الموت نتيجة تجمع الذباب على أجسادها وعيونها".
محصول تالف وأبقار ميتة
وأردف الخطيب" إهمال معمل الدجاج للبيئة أدى إلى خسارتي حوالي 300 ألف ليرة سورية سعر البقرات، عدا عن المحصول القابل للإتلاف لأنه أشبع بالمبيدات الحشرية التي اشتريها بقيمة 500 ليرة سورية يومياً لأرشها منعاً من إفساد الذباب للمحصول، فكل (عرق فاصولية) عليه حوالي 200 ذبابة".
من جهته اشتكى مواطن أخر من حال أطفاله وحياته مع الذباب بشكل عام، وقال إن" الذباب يغطي أطفالنا ليلاً ونهاراً ولا يدعهم ينعمون بالنوم، حتى أصيبوا بالتسمم، فالمياه التي نشرب بها مليئة بالذباب، وفي حال جلوسنا على المائدة يسبقنا الذباب إليها حتى نتركها، حتى بدأنا نحسب ألف حساب قبل تفكيرنا باحتساء الشاي".
قروي يبيع الأرض وشرطة تصف التلوث بالسماد
وعن بقعة التلوث (بقايا الدجاج) كشف احد المواطنين في قرية البيطارية (فضل عدم ذكر اسمه خوفاً من المشاكل) إن " احد القرويين ويدعى (أبو فادي) قام بإرشاد سائق شاحنة المخلفات إلى المنطقة على أنها ملكه مقابل مبلغ مادي معين، وعندما اشتكينا إلى الشرطة (قسم الهيجانة) وعدتنا بإلقاء القبض على السائق التابع للشركة السورية الليبية للدواجن، وقمنا بالتربص للسائق واستدعينا الشرطة التي قامت بالحديث مع السائق، حتى عاد الضابط وأخبرنا أن هذه المخلفات يمكن الاستفادة منها كسماد ولا داعي للقلق، على الرغم من غيوم الذباب حولنا، فأنا أشك بوجود قضية فساد كبيرة تورطت بها عدة أطراف".
وتابع إنه "حسب تحريات أهالي القرية تبين إن مكب النفايات المخصص لهذا النوع من المخلفات طلب من السائق 3500 ليرة للسماح له برمي كل نقلة من مخلفات الدواجن، إلا أن السائق وصاحب المعمل قاموا بتوفير المبلغ عبر رميهم مخلفات الدجاج بالقرب من قريتنا".
وأردف" لم يتعاون معنا أحد، فبلدية الغزلانية نفت علاقتها بالمنطقة الملوثة وبلدية الهيجانة أساساً ليس لها علاقة بها، وكانت البلدية الوحيدة المتجاوبة معنا هي بلدية البيطارية، لكنها لا تملك الوسائل ولا الإمكانيات اللازمة لحل الأزمة وردم التلوث، والمبيدات التي تقوم برشها غير كافية ولا تؤثر بشيء، فمبنى البلدية ذاته يعاني من الذباب".
سيريانيوز حاولت الاتصال بمدير الشركة الليبية السورية للدجاج دون جدوى أو رد ، وذلك بعد أن قام أهالي القريتين (الغزلانية والبيطارية) بتوجيه أصابع الاتهام إليه.
البلدية عاجزة.. والحل بخمسين ألف
وحول إجراءات الجهات المسؤولة، قال رئيس بلدية قرية البيطارية صادق النجم بدر إن "بلدية البيطارية فور شعورها بشيء غريب فيما يخص الذباب الكثيف، بدأت بتحرياتها حتى علمت بوجود مخلفات دجاج متفسخة في منطقة قريبة من القرية وبمساحة كبيرة، وعلى الفور قمنا بزيارة المنطقة وعايناها وكان الوضع سيئاً للغاية".
وأردف النجم " بتاريخ 57/2010 قمنا بتوجيه كتاب إلى محافظة ريف دمشق أخطرناها خلاله بوجود سيارة ترمي نفايات وبقايا الدواجن والحيوانات النافقة بموقع يبعد عن القرية بحوالي 2 كيلو متر وبمساحة تبلغ حوالي ألفي متر مربع وسماكة 20 سم تتكاثف حولها الذباب لدرجة منعتنا من الاقتراب، وطلبنا من المحافظة إعلام المرور برقم السيارة لتقوم بحجزها ريثما يعالج الوضع، كون البلدية لا تملك إيرادات كافية لردم أو ترحيل المخلفات التي تحتاج إلى ما يقارب 50 ألف ليرة سورية، وهذا المبلغ كافي لإحداث عجز كبير لدى البلدية".
وتابع النجم إن "المحافظة خاطبت فرع المرور في ريف دمشق وطلبت منه حجز السيارة المذكورة وعدم فك حجزها إلا بعد مراجعتنا وتسوية الوضع أصولاً".
الشركة تتهم سائقها
وعن بقعة التلوث ومصدرها، قال النجم إن " صاحب المعمل ملزم برمي مخلفاته في منطقة (دير الحجر) وحتى لا يخسر السعر الذي يطلبه منه المكب لقاء رمي المخلفات، يقوم برميها بالقرب من قريتنا، وبعد الاتصال مع مدير الشركة كان جوابه بأن الشركة غير معنية بتصرفات السائق لأنهم متعاقدين معه على أن يرمي المخلفات في المكبات النظامية، وما قام به أخيراً كان من تلقاء نفسه دون الرجوع إلى الشركة ".
المبيد الحشري
وحول الإجراءات التي تقوم بها البلدية لمكافحة الذباب، قال النجم إن "البلدية أحضرت مبيدات حشرية ضبابية(سموم مخلوطة بمادة المازوت) من مدينة دوما بمبلغ 10 آلاف ليرة سورية وقامت برش القرية حوالي 3 مرات إضافة إلى الرش الذي يقوم به الأهالي، وكل ذلك دون فائدة" مشيراً إلى أن " الأرض الملوثة غير تابعة لبلديتنا وبعد التحري تبين أنها تابعة لمدينة درعا، إلا أن قريتنا هي أكثر المتضررين".
يشار إلى انه مضى على معاناة الاهالي مع اسراب الذباب المهاجمة اكثر من اربعين يوم وحتى الآن لم يتم إزالة مخلفات الدجاج من مكانها، ولم يتم إلقاء القبض على السائق الذي امتنع عن رمي النفايات بعد أن ذاع خبر وجود تعميم لإلقاء القبض عليه، كما انه لم تقدم محافظة ريف دمشق المساعدات الضرورية للبلدية لتطويق وتجاوز المحنة التي حلت بها.
|